المرأة "الملعونة" التي تنجب روايات و ...أشرطة
حفصة زيناي كوديل
تناضل الروائية و المخرجة السينمائية الجزائرية " حفصة زيناي كوديل " ضد كل صيغ
الاقصاء الممنهج الذي تعانيه و يتم تدبيره للمرأة، بوصفها لبنة أساسية من أركان
الصلاح الاجتماعي و التنمية الدائمة لكل مجتمع . كما تناضل أيضا و بشكل خاص ضد
أطروحات التيارات المتطرفة التي تحاول قسرا منعها من حقها في الحرية ... كيف
ذلك؟
في كل مرة كانت فيه حفصة حاملا، كانت تنجب كتابا موازيا لولادة أبنائها الأربعة.
ثلاثة من رواياتها تتعرضن لمواضيع يضعها مجتمعها الجزائري ضمن لائحة
التابوهات و غير المفكر فيها على الاطلاق : كحكاية الفتاة الأم الرهان
المفقود (LE-PARI-PERDU) أو قصة الفنان المهمش لن تطير الفراشة (LE-PAPILLON-NE-VOLERA-PAS)
أو زنا المحارم الماضي المفكك (LE-PASSE-DECOMPOSE) ، و تضيف
حفصة الى مشوار موالدها مولودا خامسا، و تقصد بذلك فيلمها السينمائي الأقرب
اليها من كل انتاجاتها و ابداعاتها :
" الملعونة " أو (LE-DEMON-FEMININ)
تنطلق فكرة هذا الفيلم من أحداث واقعية شهدتها بلدة "سطاولي" بضواحي العاصمة
الجزائرية، عام 1990 . و تدور وقائع الشريط حول مأساة امرأة تعرضت لتعذيب وحشي
انتهى بها الى غيبوبة طويلة في أحد مستشفيات الجزائر العاصمة . و يرجع سبب
معاناة هذه المرأة ، الى أن زوجها قرر بشكل مفاجئ الانضمام الى صفوف جماعة
دينية ، و بعدها أصبح يراها في صورة شيطان يطارده أينما ارتحل في اطار كوابيس
مرعبة و متكررة . و عندما عرض أمر وساوسه على رفاق حزبه الجدد و بأن زوجته
تعاني من آلام عضوية ، تم اخباره بأنها "مسكونة" و ليس مرضها من النوع العضوي .
فقرر هؤلاء الاخوان ابتعاث ثلاثة من الرفاق الورعين من أجل "معالجتها" باخراج
الروح الشريرة من جسدها الأنثوي . لكن الزيارة "الاستشفائية" سرعان ما تحولت
الى جلسة تعذيب حقيقية. فطيلة ثلاث ساعات تداول الاخوان الملتحون فيما بينهم
الجسد الأنثوي بالضرب و الرفس بالأحذية، و كلهم على يقين تام بأن جنيا ما يسكن
"أضلاعها الشريرة " . و في نشوة عارمة بالحدث التطهيري الذي يدشنونه على جسد
احدى مواطناتهم التي أغواها الشيطان، كادوا يرمونها من النافذة ، على أساس أن
شيطانها يستطيع أن يطير بها . لم يتدخل الزوج في أية مرحلة من مراحل
"الاستشفاء"، أما الأبناء فقد كانوا يستمعون الى صرخات والدتهم في عجز تام . و
كانت حصيلة هذا المأثم ولوج المرأة الى غرفة العناية الفائقة و الاقامة فيها
طيلة أسابيع
و بالرغم من أن الفترة التي يحقب لها الفيلم هي لحظة النشوة العارمة " للجبهة
الاسلامية للانقاذ "، فقد كان لايزال بهذه المرأة/النمودج شيء من الشجاعة جعلها
تتجه مباشرة بعد ذلك الى مخفر الشرطة للابلاغ بزوجها . بل ستتجه صوب أحد مكاتب
الجبهة الاسلامية لتقذف بمنشور حررته بنفسها و تولي هاربة
و سرعان ما ستنفضح قضيتها في الصحافة المحلية بدعم من الجمعيات النسائية
الجزائرية، فرفعت القضية أمام المحاكم ضد جلاديها . و في اليوم الأول من
المحاكمة و أمام البوابة الرئيسية للمحكمة قصدتها و بسرعة جنونية سيارة كادت
تزهق روحها . و لحسن الحظ أن ذلك لم يغير شيئا من عزيمتها . الا أنه بالرغم من
مرافعتها و شهادتها الفاقعة ، تم اخلاء سبيل الجناة بسبب " ضغوطات من جهات عليا
" ، و تقول حفصة زيناي بأنه تم "نصحها" من طرف بعض أصدقائها من الاسلاميين غير
المتطرفين على أن تزيل هذا المقطع من الفيلم ، لكون اسمها قد تم تداوله بمساجد
كثيرة بالبلاد و بأن عليها الحذر. و كان الأمر يتعلق بسيناريو سبق أن تمت سرقته
منها وتمت قراءة أجزاء منه بالمساجد على أن حفصة تشتغل ضد مصالحهم المباشرة .
لكنها تقول ب" أن الجميع كان يعرف وقتذاك بأن الاسلاميين قد تسربوا الى دهاليز
النظام الحاكم و بأنهم كانوا يتمتعون بحماية ما ". لقد تم اخلاء سبيل الجلادين
بالرغم من احتجاج العديد من الجمعيات النسائية و الشخصيات السياسية، في مقدمتها
جميلة بوحيرد التي تقطن البلدة التي عرفت الجرم
و من هذا " الحدث الفيلمي " انطلقت حفصة زيناي كوديل في تصوير الانهيار الذي
حدث للطبقة الوسطى الجزائرية و للجامعيين و الكوادر ، كما استغلت الفيلم لاعادة
طرح قضايا الحجاب ففي الوقت الذي ترفض فيه الزام الفتيات بارتدائه كاللقطة من
الفيلم التي يمنع فيها الزوج زوجته من الخروج الى الشارع دون ارتدائه ، في
الوقت ذاته ترفض الزام مرتدينه بنزعه ... ، انها طريقتها في سرد ما يحدث
بالجزائر و عبرها أقطار أخرى من المعمور العربي الاسلامي و التصريح برأيها
كاملا . وهي طريقتها أيضا في سرد بعض من حياتها الخاصة ، فهي وليدة امام و
أسرتها كانت محافظة جدا، كما أن والدها كان قد أجبرها على ارتداء الحجاب لكنها
رفضت ذلك و كانت في فترات أخرى تخرج به لكي تزيله خارجا . انها تعتبر نفسها
مؤمنة و ممارسة لتعاليم الدين، لكن لا أحد بامكانه الزامها بتصور ما عن أشياء
تعتبرها من صميم الحياة الخاصة
و لاتزال حفصة تذكر، كيف أن العديد من الممثلين و التقنيين ارتعبوا لما علموا
بأن بعض أطوار الفيلم تتعلق بذم سلوك الأصوليين المتطرفين ، كيف أنهم كانوا
يجدون الأعذار لكي يتغيبوا لحظة تصوير المشاهد المعنية . و كم كانت تتفهم خوفهم
و عملت دوما على ايجاد الحلول الوسطى . و حتى بعد أن انتهت من التصوير الكامل
للفيلم منذ نونبر 1993، فقد بقي محتجزا في مكاتب المؤسسة الوطنية للانتاج
السمعي البصري الجزائرية، معرقلة توزيعه بالبلاد مخافة ردود فعل انتقامية . الا
أن حفصة استطاعت بعناء الحصول على نسخة من الفيلم عرضت في القسم الاخباري
لمهرجان السينما العربية في باريس و في أماكن أخرى ، في امتداد تكاملي لنضال و
جرأة هذه المرأة على الخوف . هذا الأخير الذي قالت عنه بأنها تعيش معه لكنها
لاتتركه يصيبها بالشلل ،... و" لأن هذا التطرف يريد الغاء المرأة "
طارق السعدي
Tarik@al-jarida.net
From the Web:
Back to Top
Home | Forum | Sports | Links | Message Board | Moroccan Radio
AL-JARIDA.NET FORUMS
if you have any comments regarding any of the previous stories, drop us a word at the adress below:
Webmaster@jarida.8m.com
Created :02/07/97.
SEARCH ARabic Info
|