عن ماجوريل، الفنان و الحديقة
عدن المراكشية
لو سألت في مراكش عن حي الزاهية فحتما لن يرشدك اليه أحد لكونه مجهول بالنسبة لأغلبهم . أما لو حدثتهم عن حي " ماجوريل " فستجد نفسك بسهولة في حي الزاهية
لا يمكن لأي زائر حاذق للحمراء أن يغادر المدينة دون زيارته لمحج يطلق عليه اسم حديقة ماجوريل . فما بين 150 الى 200 ألف زائر سنويا لايدعون فرصة مرورهم من مراكش تذهب سدى الا بالتجول عبر الممرات الساحرة لهذه الحديقة/الفضاء، تماما كما فعل من قبلهم رواد من العالم كالراحل فرانسوا ميتران و بورخيس و الأمير تشارلز و بيريز دي كويلار و جميل راتب و مجموعة البينك فلويد و الأكاديمية يورسنار و الأمير محمد ابن الحسن المغربي...وغيرهم كثير
" ما جوريل "، لم يعد اسما علما خاصا، بل أصبح يدل على أي شيء قرب تلك الحديقة العدنية : المخبزة و الحمام و الحي والشارع و الوجهة...كل شيء هنا ماجوريل
و بمجرد ولوجك الى هذه الحديقة ستنفصل تماما عن العوالم المجاورة و سيرحل بك ذهنك الى هناك حيث أنت . و ستتمتع بمقترب " هنا و الآن " ، بل وكم ستكون محظوظا لو صادفت السيد مصطفى أهبالي وكيل الحديقة بوصفه أحد أجزاء ذاكرة حديقة الرسام جوزيف ماجوريل
لا، لم يكن ماجوريل مراكشيا حتى يشيد رائعته تلك بالحمراء، وانما هو من مواليد مدينة نانسي الفرنسية في 7 مارس عام 1886 . والده لويس ماجوريل كان أحد باعة الأثاث الفاخر، و هو من شخصيات المرحلة المرموقة ، اضافة الى كونه رفقة فنانين آخرين من مؤسسي مدرسة نانسي الفنية التي صدح صداها ما بين عامي 1885 و 1900 على الخصوص ، و رفعت مشعل التجديد الفني
تربى جوزيف وسط هذه الأجواء ، و لن يتأخر كثيرا في الانضمام الى فضاءاتها ، لكنه سرعان ما سيكتشف انطلاقا من سنة 1903 موهبته الخاصة الدفينة في الرسم ، ليبدأ بذلك رحلته الطويلة مع الدراسة و التأمل الفنيين باسبانيا و ايطاليا مبتعدا شيئا فشيئا عن نانسي و مدرستها
و سيقوده هواه هذه المرة الى أرض الكنانة (مصر)، وهناك سيلتقي لأول مرة مع الشرق و الاسلام بتفاصيله و أريجه، كان ذلك عام 1910، ليعود اليها ثلاث مرات متتالية حتى حدود حرب 1914، و من حسنات الموقف أن منفاه الاختياري هذا، قاده حيث توجد ضالته
1917ستكون سنة فتوحات بالنسبة لجوزيف ماجوريل البالغ من العمر آنذاك 31 سنة ، فبالرغم من معاناته من آلام صدرية و صعوبات في التنفس ، الا أن هذه الوضعية ستقوده الى المغرب ، بعد أن توسط له كل من والده و الرسام اميل فريان لدى الجنرال ليوطي المنحدر هو الآخر من نانسي مسقط ماجوريل، وذلك من أجل تسهيل عملية استقراره و اقامته بمدينة مراكش بالتحديد
لم يقم جوزيف ماجوريل بأية مقاومة لسحر مدينة مراكش التي سيقيم بين أهاليها و حيطانيها ، بل انفتح علائقيا مع الأوروبيين و المغاربة على حد سواء . وبمجرد اقامته بضعة أشهر استحق على اثرها استقبالا في حضرة باشا المدينة... لقد غدا صاحبنا من أعيان مراكش
و لم يعد يعرف ماجوريل الا بنعت " رسام مراكش " ، بعد أن أبهرته ضياء المدينة و عطورها و أزمنتها و أمكنتها، فأراد أن يكون شاهدا فنيا على ذاك الجمال . و منذ 1921 كان يقوم برحلات استطلاعية الى الأطلس مسحورا بمناظره الخلابة و هندسة قصور أعيانه - شكلت القصبات موضوعا بارزا للوحاته - و حياة ساكنته التي لم يطرأ عليها تغيير منذ قرون مضت . فكان من أوائل مبرزي الفضاءات الفنية و السياحية التي يزخر بها جنوب المغرب، باعثا من جديد قرى و مناطق مغربية كانت معزولة تماما عن الزمن والمكان الآخر، فلقب اعلاميا و فنيا ب " رسام جنوب المغرب " أيضا
حظيت مدينة مراكش بطبيعة الحال بقدر وافر من تأملات جوزيف ماجوريل و ترجمتها الى لوحات، لكن اهتمامه هذا ستنطلق شعلته سنة 1923 عندما بدأ في تنفيذ فكرة تشييده لمحل سكناه على الطريقة الأندلسية-المغربية و الحديقة التي أصبحت تحمل اسمه . كانت الفيلا تحمل اسم " بوصفصاف " ،(لا يزال السيد مصطفى أهبالي المسؤول عن حديقة ماجوريل يحتفظ الى اليوم باللوحة الاعلانية لفيلا بوصفصاف ) تم تزيينها برسومات و ديكورات من ابداع جوزيف نفسه مستلهما اياها من المشهد الفني اليومي للمغاربة . وبعيدا شيئا ما عن الفيلا و على عادة الصحراويين المغاربة، أقام ماجوريل برجا و صهريجا كبيرا، من أجل تبييء الفضاء
و أحاط هذه البناية بحديقة تحوي أنذر النباتات و أغربها : 1800 نوع من الصباريات و الورود الاستوائية و أشجار الموز و السرخسيات العملاقة (les fougères) و 400 نوع من النخيل ...مفرزة لبهائها و عطورها على مسافة أربع هكتارات مزينة بأحد عشرة صهريجا آخرا
و لتتويج هذا الفضاء الملائكي، عهد ماجوريل سنة 1931 الى المهندس سينوار ببناء محترف عصري ينزوي اليه معتكفا على رسم لوحاته و الديكورات المستلهمة من الفن المحلي. و كانت ادارة المحترف تحت اشراف أندريه ماجوريل زوجة جوزيف التي كانت مختصة في تزيين الجلود و الصباغة على الخشب و قد أثرت من ذلك ثراء كبيرا . ويكفي أن بعض هذه الديكورات قد زينت احدى قاعات فندق المامونية الفاخر بالرسومات الفاسية و الأمازيغية
و في الفترة ما بين 1945 و 1952 سيكون جوزيف قد صوب وجهه هذه المرة نحو أفريقا السوداء و بالتحديد أجساد نسائها العاريات التي شكلت مواضيع لبعض لوحاته ، فمن بين 115 لوحة معروضة بباريس في نونبر من عام 1934، كانت 95 لوحة تجسد "عبدات" أفريقيات عاريات ، تكريما لهن . لكن قبل ذلك و بالتحديد في سنة 1918 سيقوم ماجوريل بعرض " لوحاته المغربية " و لأول مرة ببهو فندق اكسلسيور بالدار البيضاء ، ليقدم فيما بعد (1929) بالمدينة نفسها كتابا يضم بعض رسوماته ، و كان التقديم للجنرال ليوطي ، تلته معارض أخرى كثيرة سواء داخل أو خارج المغرب
انطلاقا من عام 1955 سيقوم ماجوريل بفصل فيلا اقامته بوصفصاف (هكتار واحد) عن باقي الحديقة التي تحوي المحترف ( ثلاث هكتارات الباقية ) ليفتحها أمام العموم . وليعيش بذلك المكان أحلى فتراته
الا أنها ستكون السنة أيضا التي يتعرض فيها لأول حادثة سير تكسرت على اثرها قدمه . و في السنة الموالية سيفترق مع زوجته أندريه ليتزوج مرة أخرى عام 1961 ( يقال ربما أن زوجته الثانية مغربية، و الاستفهام لوكيل الحديقة ). و في السنة الموالية أيضا و نتيجة لكسر في عظم الفخد ، يتم نقله الى باريس من أجل العلاج الا أنه سيغادر جسده هناك في 14 أكتوبر
حزنت الحديقة جدا لفراق مبدعها و راعيها و الدليل أنها دخلت في مسلسل تدهوري طويل ، فبعد مرورها الى الورثة غير المبالين انتقلت الى رجل هرم هو قيليسيان بواتيي لم يستطع العناية بها . فتحولت الحديقة الساحرة الى أرض شبه جرداء مرتع للمتشردين و الخمارين . ثم انتقلت الى مغربي متزوج بهولاندية ( يقال أنه كان سفيرا ) . و مع استمرار تدهورها و تهديد العمران مع ظهور العمارة الكبيرة المجاورة للحاج عمر التيسير ( المعروف في مراكش بنص بلاصة ) ، تحركت الجهود من أجل انقاذ ما تبقى من حديقة ماجوريل بعد أن بيعت أجزاء متعددة منها، لتستقر اليوم ملكية حديقة بوصفصاف في حوزة الملياردير العالمي ايف سان لوران و بيير بيرجي . و قد استطاعا اعادة بث الحياة الى بعض أجزائها مع الابقاء لجانب من الحديقة مفتوحا للعموم الى اليوم، اضافة الى تحويل المحترف الى متحف الفن الاسلامي . هذا الأخير الذي أصبح يلعب دورا اشهاريا للتراث المحلي و الاسلامي عموما، كما يساهم في اقتناء ما ضاع من ادوات تراثية ، كحكاية تلك " الحسكة " من تراب التي رحلت من تطوان الى اسرائيل فلندن ثم عادت الى مراكش بفضل هذا المتحق كما صرح لنا بذلك وكيل الحديقة مصطفى أهبالي
ان حديقة ماجوريل هي اليوم في طريقها الى التحول الى مؤسسة رسمية ( FONDATION ) على غرار متاحف جديدة ظهرت بالمدينة . كما أن ماجوريل نفسه لايزال يثير العديد من الاهتمام العالمي، آخرها تنظيم معهد العالم العربي بباريس لأيام مفتوحة حول الرسام في اطار زمن المغرب بفرنسا ، تعرض فيها أهم لوحاته التي تم استقدامها من مجموعات فردية و خاصة
و الى أن يجود الذي خلق الماء و الهواء و ماجوريل و حديقته على المدينة بمسؤولين في رونق جمالية أجدادهم الذين رسموا منذ القرن الثاني عشر الحدائق الموحدية الرائعة، فاننا سنستمرفي زيارة أمثال حديقة ماجوريل الساحرة ، ما استطعنا الى ذلك سبيلا
طارق السعدي
Tarik@al-jarida.net
From the Web:
Back to Top
Home | Forum | Sports | Links | Message Board | Moroccan Radio
AL-JARIDA.NET FORUMS
if you have any comments regarding any of the previous stories, drop us a word at the adress below:
Webmaster@jarida.8m.com
Created :02/07/97.
SEARCH ARabic Info
|