فنانون فوق العادة، و...
حين يصير للغناء معنى
"لقد غنيت للنجوم و الجبال والوديان والطيور، لأن الطبيعة تفهم أفضل من النظام الحاكم ... انني لن أغني أبدا لأصحاب العمائم".
"مارزييح" مغنية ايرانية مغضوب عليها .
كل من شاهد الشريط السينمائي "أموك" للمغربي سهيل بنبركة، لابد أنه كان قد تعرض لسحر صوت "مريم ماكيبا" الأخاذ، التي حولت فيلم سهيل الى فيلمين ، واحد له و الآخر لصوتها الذي كان يصرخ في عمق تاريخ البشرية بكل ما يحويه من عتاصر تبدو متنافرة: الحب والألم .
مريم ماكيبا ، أحد الأصوات الثالثية البارزة التي صدرت أوجاعنا و ثقافتنا الانسانية الى العالم، لتستورد الاحترام الكبير الذي يكنه اليها كل من تتلمذ على ثقافتها الذوقية . نفيت عن بلدها جنوب افريقيا لأكثر من ثلاثين عاما و هي طيلة المدة التي شكلت نضالها ضد الميز العنصري في اطار سياسته الفاشية : الأبارتيد . غنت مريم - ولاتزال كما فعلت مؤخرا بفاس المغربية في اطار مهرجان الموسيقى الروحية - للقيم التي لايختلف حولها اثنان على طول المعمور، فصارت رمزا لكل النساء و الرجال الذين يدافعون عن حقوقهم البشرية ، استحقت على اثرها جوائز عدة ، من أبرزها جائزة اليونسكو.
سيكون النهج نفسه الذي اختارته المغنية الايرانية الاستثنائية "مارزييح" التي التجأت الى فرنسا منذ 1994 والتي كانت تقول: "لقد غنيت للنجوم و الجبال والوديان والطيور، لأن الطبيعة تفهم أفضل من النظام الحاكم . انني لن أغني أبدا لأصحاب العمائم" .
و في مناطق أخرى من العالم يرنم الصوت الشادي لعشرات من الفنانين صدحا بأهازيج الحرية و الحب و السلام، والذي يشكل في منتهاه سلسلة ستحاصر يوما ما أعداء الذوق الجميل .
ف"بالرغم من عنف ضرباتهم، لن يستطيعوا أبدا فك أيادينا المتشابكة...سيأتي اليوم الذي تنبثق فيه أشعة الشمس من وسط السحب". هذه الأغنية تم تأليفها و التغني بها من قبل متدينات بوذيات من التيبت معتقلات بالسجون الصينية ، كلفت صاحبتها "نغاوانغ ساندرول" و 13 فردا آخر عقوبة سجنية اضافية وصلت الى ست سنوات، بسبب جرأتهم على الغناء لصالح استقلال التيبت .
وقد حدث ذلك حين عملت المعتقلات على تسجيل هذه الأغنيات بواسطة مسجلة تم ادخالها اليهن بشكل سري، و تم توزيع الشريط سرية وسط التيبت . وجاء في مطلع الشريط، تشكرات المعتقلات لكل الذين ساندوهم في محنتهن و بأنهن لن ينسوهم أبدا . الا أنه بعد مدة قصيرة تم العثور على المعتقلات و هن غارقات في الموت وسط زنازينهن، و كما لم يفاجأ أي أحد فقد ادعت الأجهزة الأمنية الصينية بأنهن انتحرن، لكن دون تقديم أية أدلة تثبت ذلك .
اروا كثر، يتوالدون على صدى أنغامهم و ترانيمهم ، رافعين الذوق البشري الى أعلى مستوى: مستواه الحقيقي .
نمودج آخر للموسيقى الحالمة، هذه المرة من "أرض الأعداء" . اسمهما "نوا" و "ميرا أشير" وهما مغنيتان اسرائيليتان يناضلن للسلام ببلدهن. ولدت الفنانتان باسرائيل من أصل آباء يمنيين . شبت "نوا" بالأحياء القاتمة بنيويورك، ولما وصلت الى سن السابعة عشرة من عمرها عادت الى مكان نشأتها . في شريطها الأخير "Calling"، استنكرت "نوا" بشدة وضعية تدني المرأة و استعبادها، كما أعلنت على معتقدها الصارم و المساند لمسار السلام.
أما " ميرا أشير" فقد استثمرت كل مجهوداتها و امكانياتها في الدفاع عن قضايا الفلسطينيين، حتى أنها تعتبر نفسها "يهودية عربية" ، تقول ميرا " مابين الثقافتين أعكس أفكاري التي أرغب في التعبير عنها خارج دائرة الموسيقى الكلاسيكية التي تلقى كل الدعم من الدولة ".
و لاحدود لموسيقى حقوق الانسان و على رأسها حقه في السماع الجيد ، ولذلك ف"الروك" هو الآخر يساهم في نشر الثقافة الحقوقية كأغاني مجموعة " Plastic People" ، كما يمكن حاليا الاستماع الى شريط رائع يحمل عنوان "Make Your Mark for Human Rights" و هو عمل مشترك لكل من Youssou N’dour و Peter Gabriel وBruce Springsteen و Tracy Chapman وSting ... في اطار حملة أمنستي "حقوق الانسان، الآن !" .
و من يعرف منا "ميغيل أنجيل ايستريللا" العازف الأرجنتيني على آلة البيانو و العالمي الشهرة ، فقد قضى ثلاث سنوات بالسجن (1977 - 1980) بسبب أ نشطته لصالح المهمشين و السجناء على الخصوص ، التي اعتبرتها بلاده أعمالا معادية. ولحسن الحظ ان اندلعت حملة تضامن كبيرة ، نظمت لصالحه من قبل الموسيقي الكبيرالراحل يهودا مينوهين و مستيزلاف روستروبفيتش و منظمة العفو الدولية... و مئات من الموسيقيين عبر العالم، حتى أطلق سراحه عام 1980 ، اذ لولاها لظل قيد الزنازن الباردة .
بعد خروج ميغيل من السجن عمل على استثمار تجربة الاعتقال و ذلك بانشائه لجمعية سماها ب"موسيقى الأمل"، والغرض من ورائها العمل على تقريب الأفراد و الشعوب فيما بينها، وعلى الخصوص منهم أولئك الذين فقدوا كل الأمل .
تناضل هذه الجمعية التي أ لحقت بمنظمة اليونسكو، من خلال جبهتين . تهدف الأولى الى تمكين الموسيقيين الشباب الذين يجدون "صعوبات" في طريقهم العملية، من الالتقاء بالجمهور و مساعدتهم على الاستمرار في دراساتهم الموسيقية . و من جهة أخرى تهدف هذه الجمعية الى تحويل الموسيقى الى أداة تضامن كبرى و الى ادماج المهمشين ضمن المحيط العام للاحتجاج الفني .
و لذلك فان الجمعية تعمد الى خلق لقاءات بين فنون موسيقية مختلفة لأفراد مختلفين أيضا، فالعازف الذي تعود على الأداء المفرد، تساعده الجمعية على الالتقاء بآخرين من أجل خلق مستوى موسيقي دافع و مشترك . و الأكثر من ذلك هو أن هؤلاء "الموسيقيون الملتزمون" يتم تكوينهم على المستوى النفسي أيضا، من أجل دفعهم الى أداء أفضل وسط جموع المهمشين أو نزلاء السجون ، حتى يكونوا طبيعيين و أكثر ضبطا لذواتهم .
و قد نجحت هذه الجمعية في خلق أوراش هامة داخل المصالح الاجتماعية ببلجيكا على سبيل المثال ، ويمكن لمن تهمه التجربة الاتصاال بالجمعية ( . Musique Espérance Belgique Francophone, Rue Gratés, 24, 1170 Bruxelles )
ببلدان لغة الضاد، لاتزال العديد من الجهات المحسوبة على الفن تخلط خلطا فاضحا بين الفن و الاسترزاق ب"كمنجات مبحوحة و كلمات معطوبة الخياال" ( راجع كلمة الأحداث بالعدد 337 من "الأحداث المغربية") . و اذا استطاعت القلة منهم الخروج، خروجا مشرفا عن هذه القاعدة، فقد استضافتهم على قارعة طريقهم خفافيش الليل التي لايغمض لها جفن عن أي حق انساني كان الا و انتهكته .
كذلك كان و لايزال الراحل لونس معتوب بالجزائر و الذي تم اغتياله في 25 يونيو من السنة الماضية يشكل رمزا للوضعية التي يعيشها الأداء الفني النضالي بدول عديدة من العالم العربي و الثالث عموما .
و قد كان ا لقتيل معتوب رمزا هو الآخر للمقاومة والنضال الذي تخوضه جماعات القبايل الجزائرية ضد سياسة التعريب المنتهجة من قبل حكومتهم و ضد كل القوى المتطرفة التي حاولت مرات عدة و قبل سنوات مضت، خنق الصوت الشادي للونس معتوب .
قتلوه بعد أن تجرأ في شريطه الأخير و على أنغام النشيد الوطني الجزائري على التغني بالتالي "لا داعي للأمل، و لا للايمان بقيم الصبر، فالقبايلي لن يحكم أبدا... لقد أعادوا صباغة الجزائر بألوان الدين و العربية. خيانة، خيانة، خيانة..."
و هل يمكن التعريج عن الموسيقى و الغناء العربيين الفعا لين دون ذكر اسماء من نوع ناصر الشما، و فيروز/ الرحابنة و منير البشير و جوليا بطرس و أميمة الخليل و الشيخ امام و عبد الوهاب الدكالي و عائشة رضوان و مجموعة ابن عربي و مجموعة وشم... أو مرسيل خليفة، هذا الرجل المعلمة ؟ كلا وألف كلا، فمنهم نتعلم المبادىء الأساسية للعيش الأفضل، و هو ماانفك يغنيه لنا مارسيل . لكن هذه المرة سيخاطبنا هذا الفنان مباشرة، نحن المغاربة ، برسالة مارسيلية جاء في بعض مقاطعها " أنا حزين لمحاكمة أغنية "أنا يوسف أبي" التي غنت للقهر ولعذابات الناس، حزين لأن يوضع هذا العمل الانساني في القفص و أن يشكك في طويته. ...انهم يريدون تكميم الأفواه، وقمع الرأي، ووأد الابداع، واغتيال الجمال، و انتاج الخوف، وتوزيع الصمت علينا جميعا ...انني أحتج على هذا المسار الذي ينزل بنا الى الأسفل... و حين يكون مركز الحرية في بيروت مستهدفا، فعلينا جميعا أن ندق ناقوس الخطر، وأن نستنفر فينا حاسة البقاء الشريف أحرارا نشد على الجمر. ..لكم - للمغاربة - مني ألف تحية و الحب على هذا التضامن الجميل .. أقرأ فيه ما يفيض عن محنتي الشخصية .. أقرأ فيه الدفاع الشرعي عن حق جماعي في الحرية، و عن حق جماعي في الكلمة ، و في الابداع المصغي الى عذابات الناس، انه دفاع عنكم و عنا جميعا .." . انتهى كلام مارسيل خليفة والتعليق بعده ثرثرة .
اعداد طارق السعدي
Tarik@al-jarida.net
From the Web:
Back to Top
Home | Forum | Sports | Links | Message Board | Moroccan Radio
AL-JARIDA.NET FORUMS
if you have any comments regarding any of the previous stories, drop us a word at the adress below:
Webmaster@jarida.8m.com
Created :02/07/97.
SEARCH ARabic Info
|